قراءة قانونية في قرار المحكمة الجنائية الدولية باختصاصها الاقليمي في الأراضي الفلسطينية المحتلة

 في خطوة طال انتظارها لأكثر من ست سنوات، تسطر المحكمة الجنائية الدولية تأريخاً جديداً لسيادة القانون الجنائي الدولي ينبأ بإدارة حقيقة وجادة في ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة ، وسيبقى تاريخ الـ 5 فبراير/ شباط 2021 نقطة تحول في مسيرة العدالة الجنائية الدولية ، حيث أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية بالأغلبية قرارها التاريخي بأن الاختصاص الإقليمي للمحكمة في الحالة في فلسطين ، وهي دولة طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، يمتد إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 ، وهي غزة والضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية ) .

قراءة قانونية في قرار المحكمة الجنائية الدولية باختصاصها الاقليمي في الأراضي الفلسطينية المحتلة

 كما قررت الدائرة بالأغلبية أيضاً أن الحجج المتعلقة باتفاقيات أوسلو وبنودها التي تحد من نطاق الولاية القضائية الفلسطينية، ليست ذات صلة بحل قضية الاختصاص الإقليمي للمحكمة في فلسطين.وقد صدر القرار بأغلبية قضاتها (القاضية / رين أديلايد صوفي ألابيني غانسو والقاضي / مارك بيرين دي بريشامبو ) في حين جاء رأي القاضي الثالث بيتر كوفاكس مخالف جزئياً. وفي الجانب القانوني يأتي قرار الدائرة التمهيدية الأولى جواباً على طلب المدعية العامة "فاتو بنسودا" المؤرخ في 22 كانون أول (ديسمبر) 2019 م والخاص بشأن تحديد نطاق الولاية الاقليمية للمحكمة في الحالة في دولة فلسطين بموجب الفقرة (3) من المادة 19 من نظام روما الأساسي والذي جاء استكمالاً للاختصاص الموضوعي الذي قررته المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا ، بتاريخ 20 كانون أول/ديسمبر 2019، وأصدرت بياناً أعلنت فيه وجود أساس معقول واستيفاء جميع المعايير القانونية بموجب نظام روما الاساسي لفتح تحقيق في الوضع في فلسطين بشأن جرائم حرب ارتكبت أو ترتكب في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية ، وذلك بعد انتهاء مرحلة الدراسة الأولية للحالة في فلسطين وبعد اجرءا تقييم موضوعي و شامل ومستقل لجميع المعلومات الموثقة المتاحة لمكتبها .

 وقد أكدت الدائرة التمهيدية الأولى في قرارها على أن قرار فتح التحقيق في حالة فلسطين من اختصاص مدعي المحكمة الجنائية الدولية عملاً بالمادة 12 (أ/2) والمادة (13/أ) والمادة 14 من النظام الأساسي للمحكمة لوجود إحالة من دولة فلسطين ولا حاجة للحصول على إذن من الدائرة التمهيدية. وأشارت إلى أنها ليست مختصة دستوريًا بالبت في شؤون الدولة التي من شأنها أن تلزم المجتمع الدولي. وانها لا تفصل في نزاع حدودي بموجب القانون الدولي ولا تحكم مسبقًا في مسألة أي حدود مستقبلية. وان قرارها هو لغرض وحيد هو تحديد الاختصاص الإقليمي للمحكمة. ويعتبر هذا القرار التاريخي انتصاراً قانونياً كبيراً للشعب الفلسطيني ولجميع الأحرار في العالم وبداية لمرحلة جديدة و جادة نحو مقاضاة جميع مجرمي الحرب وفي مقدمتهم قادة الاحتلال الاسرائيلي "الكيان الصهيوني" السياسيين والعسكريين والمستوطنين وكل من تورط في ارتكاب جرائم في فلسطين .


 ويمثل هذا القرار خطوة أولى ومهمة في إحقاق العدالة الجنائية عالمياً والتزاماً من المحكمة الجنائية بالمقاصد التي قامت لأجلها وتحقيقاً لمبدأ الردع والمساءلة وضمان عدم إفلات مجرمي الحرب من العقاب مهما كانت الأسباب والظروف ويشكل القرار ركيزة أساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين. وبنظرة استشرافية للمستقبل نرى في هذا القرار الخطوة كبيرة في طريق العدالة وسيادةالقانون الدولي لانصاف الحق الفلسطيني ضد الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الاسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين العزل من أطفال ونساء ورجال بما فيهم الطواقم الطبية والصحفيين . وعلى الرغم من كون القرار جاء متأخراً وبعد اكثر ست سنوات من بدء الدراسات الأولية التي باشرتها المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية للحالة في فلسطين منذ 16 كانون أول / يناير 2015 إلا انه يعتبر خطوة ايجابية ومتقدمة جداً في درب تحقيق العدالة وملاحققة مجرمي الحرب و قرار شجاع من المحكمة الجنائية الدولية ويؤكد استقلالية المحكمة الجنائية وحياديتها وموضوعيتها رغم كافة الضغوط والتهديدات من الإدارة الأمريكية والهجمة غير مسبوقة عليها والمتواصلة بشكل ممنهج منذ مايو 2018. 

ويعتبر قرار المحكمة في حيثياته وثيقة قانونية وتاريخية مهمة جداً في القضية الفلسطينية، وتنبع الأهمية القانونية والتاريخية للقرار من كونه : 

 1. يدحض كافة الادعاءات والحجج الاسرائيلية والأمريكية التي تطعن في عضوية دولة فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية وتعتبر الإجراءات التي تمارسها دولة فلسطين فيما يتعلق بالمحكمة اجراءات غير قانونية . فقد وجدت الدائرة التمهيدية أنه بغض النظر عن وضعها بموجب القانون الدولي العام ، فإن انضمام فلسطين إلى النظام الأساسي اتبع الإجراءات الصحيحة والعادية وأن الغرفة لا تملك سلطة الطعن ومراجعة نتائج إجراءات الانضمام التي أجرتها جمعية الدول الأطراف. وهكذا وافقت فلسطين على إخضاع نفسها لشروط نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولها الحق في أن تُعامل مثل أي دولة طرف أخرى في الأمور المتعلقة بتنفيذ النظام الأساسي.

 2. يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال في دولته الفلسطينية على الأراضي المحتلة منذ العام 1967 . إذ استشهدت الدائرة التمهيدية في المحكمة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في رقم 67/19 الصادر في 29 نوفمبر 2012 والذي قرر منح فلسطين مركز دولة غير عضو لها صفة مراقب قي الأمم المتحدة.

 3. يؤكد على الوضع القانوني للضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية بوصفها أراض فلسطينية ما زالت محتلة وأن سيادة اسرائيل القوة القائمة بالاحتلال على هذه الأراضي سيادة مؤقتة بكم الامر الواقع على الرغم من ابرام اتفاقايت أوسلو والانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة . 

 4. يؤكد على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب المؤرخة في 12 آب /أغسطس لسنة 1949 على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية . 

5. يؤكد على بطلان قرارات الضم الاسرائيلية للأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها قرار الاحتلال بضم مدينة القدس وفرض سيادته القانونية عليها واعلانها عاصمة موحدة لهم وبالتبعية يعلن بطلان اعتراف ترامب بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقله سفارة بلاده إليها وكذلك بطلان قرار مجلس الشيوخ الأمريكي بالأمس 5 شباط /فبراير الابقاء على سفارتهم في القدس باعتبارها عاصمة لدولة الاحتلال الاسرائيلي .

 6. يشكل القرار في جوهره رسالة قوية من أهم هيئة جنائية دولية ورداً شرعياً وحازماً على الحملة الدبوماسية والاعلامية التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني الذين شككوا مشروعية المحكمة ونزاهتها واستقلاليتها واتهموها جزافاُ بأنها مسيسة وتم تهديدها علانية من الرئيس السابق ترامب والذي أصدرقراراً تنفيذياً عقوبات على قضاتها ومدعيتها العامة واستهداف املاكهم ومنعهم من دخول الولايات المتحدة إذا لاحقوا أميركيين أو إسرائيليين وأكد بأن بلاده ستقف ضد أي تحقيق تجريه المحكمة الجنائية ضد المسؤوليين الإسرائيليين .

 7. وننتظر بفارغ الصبر وأحرار العالم أن تباشر المدعية العامة السيدة أفاتو بنسودا إجراءات التحقيق الفوري بالجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي حسب المادتين (54،53) من نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية. والله تعالى أعلم ،،، معتز المسلوخي محامي وباحث قانوني


انشر تعليق

أحدث أقدم